المنازل الطينية.. تراث يرمم منازل فقراء الشرقية وسط جنون الأسعار

شام تايمز – محمود عبد اللطيف

يبني “غيث الصبحي” منزلاً جديداً من الطوب الطيني، بعد إزالة أنقاض المنزل القديم الذي دمر بالقصف الأمريكي قبل أن تسيطر ميليشيا “قوات سورية الديمقراطية”، على ما كان يعرف باسم “جيب هجين”، والذي كان يعد آخر النقاط التي ينتشر فيها تنظيم “داعش”، في مناطق “شرق الفرات”.

واستخدام الطوب الطيني الذي يعرف شعبياً باسم “اللِبن”، نتج عن ارتفاع أسعار مواد البناء بشكل كبير، ويقول “الصبحي” خلال حديثه لـ “شام تايمز”.. “المواد الأولية لصناعة الطوب الطيني متوافرة بشكل شبه مجاني في كامل القرى الواقعة بريف دير الزور، فالتراب الأحمر و”التبن”، الذي ينتج كمخلفات عن زراعة القمح، مواد رخيصة، والاعتماد على أعمدة الخشب ومواد أخرى رخيصة في تنفيذ عملية السقف مسألة إلزامية في ظل عجز سكان القرى التي طالها القصف عن إعادة ترميم منازلهم بمواد البناء الاعتيادية”.

أسعار جنونية:

تشير المعلومات التي حصل عليها “شام تايمز”، من الأسواق المحلية إلى أن سعر الطن الواحد من الحديد وصل إلى 103 مليون ليرة سورية، أما الحديد المستعمل الذي يتم استخراجه من المباني المهدمة وإعادة تأهيله فيبلغ سعر الطن الواحد منه بحدود مليون ليرة سورية، في حين أن سعر كيس الاسمنت الواحد وصل إلى 9000 ليرة سورية، في حين أن سعر الطوب الاسمنتي يصل إلى نحو 450 ليرة سورية للقطعة الواحدة، ومع ارتفاع أسعار بقية مواد البناء كـ “الرمل – البحص – التمديدات الكهربائية والصحية”، فإن تقدير الكلفة الإجمالية لإعادة تأهيل منزل من غرفتين فقط تصل إلى ما يقارب 6 ملايين ليرة سورية، وهو رقم خيالي بالنسبة للسكان المحليين في مناطق شرق الفرات من ريف دير الزور، وصولاً إلى مناطق ريف الحسكة الجنوبي.

ويشرح “هيثم الجاسم”، أن بناء السقف الاسمنتي مكلف للغاية، في حين أن السقف الطيني يعتمد على خمس مواد رخيصة الثمن، فالأساس في السقف هو الاعمدة الخشبية التي تمد بشكل عرضي، ثم يليها طبقة من القصب الذي يعرف محليا بـ “الزل”، ويمد فوقها طبقا من البلاستيك، ثم يفرش التبن الخشن قبل أن يمد الطين المجبول مع تبن ناعم، لتكون هذه المنازل ذات قدرة عالية على العزل وتحتاج لفرش طبقة رقيقة من الطين بعد أول يوم ماطر، لأن المطر سيكشف عن الفراغات التي لم تمتلئ بشكل جيد بالطين خلال العملية الأولى”.

دفء وطقس اجتماعي:

ويحاول “الجاسم”، أن يلطّف من ثقل تأثير أسعار مواد البناء على نفسه، ويقول خلال حديثه لـ “شام تايمز”.. “المنازل الطينية نوع من التراث المحلي لمناطق الجزيرة والفرات، لقد ربينا في منازل مشابهة قبل أن يتطور البناء في مناطقنا خلال مرحلة ما قبل الأزمة السورية، وللمنازل الطينية ميزات متعددة إضافة إلى رخص تكاليف إنشاءها، إذ تعمل سماكة الجدران على عزل المنازل حرارياً، فهي سهلة التبريد في الصيف وسهلة التدفئة في الشتاء”، كما إن السهرات الشتوية في هذه المنازل تكون أكثر حميمية من غيرها، لأنها تذكر بالكثير من تفاصيل الطفولة المترفة التي عاشها من يعانون اليوم من الأزمة السورية، ويشير إلى أن هناك عوائل كثيرة لم تهجر الطين كمادة أساسية لبناء منازلها في القرى الفقيرة التي تقع في عمق مناطق البادية ضمن المحافظات الشرقية الثلاث على الرغم من رخص مواد البناء الحديثة في مرحلة ما قبل الأزمة.

يمكن اعتبار إنشاء المنازل الطينية نوع من الطقوس الاجتماعية في المنطقة الشرقية، فتبادل المعونة بين أبناء القرية الواحدة على أساس “الفزعة”، يسهل عملية إنشاء المنازل، وغالباً ما تكون نهاية العمل مقرونة بوليمة غداء أو عشاء يقيمها صاحب المنزل، وهي مؤلفة في الغالب من “الثريد”، وهو واحدة من أكثر الأكلات الشعبية رواجاً في المنطقة الشرقية، وقد بات “لحم الدجاج”، أكثر حضوراً في مثل هذه الولائم نتيجة لارتفاع أسعار المواشي لدرجة جنونية، وكل الأسعار وفقاً لسكان المنطقة مرتبطة بـ “الدولار”، الذي “خرب بيوت الناس”، وفقاً لتعبير “أم أحمد”، التي تقطن في منزل طيني بنته قبل عام من الآن في قرية “محميدة” الواقع بريف دير الزور الغربي.

شاهد أيضاً

من يستفيد من أسطوانات الغاز خارج البطاقة الذكية؟

شام تايمز – حماة – أيمن الفاعل كشف رئيس نقابة عمال النفط والمواد الكيماوية في …

اترك تعليقاً