في ذكرى الإبادة.. أرمن سورية قوة صناعية وتجارية قاعدتها “حلب”

شام تايمز – حلب – انطوان بصمه جي

يحيي أرمن حلب الذكرى الخامسة بعد المائة تخليداً لذكرى الإبادة الجماعية بحقهم من قبل الامبراطورية العثمانية عام 1915، والتي بسببها توجهت جموع المهجرين الآرمن إلى سورية، التي شكلت ملاذاً أساسياً لهم ولما حملوه من ثقافة وفكر. وفي العام 2005، كان أكثر من 80 ألف أرمنياً يقيمون في البلاد، تمركزهم الأكبر في حلب، وبسبب الحرب التي عاصرتها “عاصمة البلاد الاقتصادية” نزح الكم الأكبر من أبناء الأقلية الأرمنية وصاروا مشتتين في مختلف أصقاع العالم، بعد نحو قرن من الاندماج في المجتمع السوري والمساهمة في الحياة الاقتصادية والمهنية واعتناقهم لهوية البلاد الوطنية.

وصار الأرمن جزءاً لا يتجرأ من الاقتصاد المحلي تحديداً في حلب، وحاولوا الحفاظ على تقاليدهم من خلال ممارسة مهنهم بالإضافة إلى الحفاظ على التعامل بلغتهم الأم، كان معظم أسلاف هؤلاء يقطنون الأقسام الغربية من أرمينيا التاريخية التي كانت جزءاً من الامبراطورية العثمانية وتقع راهناً في شرق تركيا. وفي مطلع القرن العشرين، أنشأ بعض الأرمن الذين نجوا من الإبادة الأرمنية متحدات مجتمعية في المنطقة التي باتت تُعرَف بشمال سورية.

الصناعي “بوغوص شهريان” يعمل في حرفة خراطة وتسوية المعادن في حي الميدان يقول لـ “شام تايمز” إنه سمع من والده كيف هرب أجدادهم جراء الإبادة وانتقالهم واستقرارهم في نهاية المطاف بمدينة حلب، ومنذ استقرارهم احترفوا مجالات حرفية وصناعية عدة خصوصاً في مجال الحدادة وسكب الذهب وفيما يتعلق بالسيارات من ميكانيك وكهرباء وعملوا على تطوير المهن واقتناء المحلات الخاصة بهم لمزاولة أعمالهم، ويعود الفضل لأرمن أحلب في تصنيع أول باص نقل داخلي بأيدي أرمنية محلية، وإلى اليوم يوجد بعض الحرف التي يمارسها الأرمن ويتميزون فيها في أحياء عديدة من حلب وعلموها للسوريين.

وعن تأثر الأرمن السوريين جراء ما شهدته حلب من حرب، أضاف الصناعي “شهيريان” أن معظم الأرمن غادر البلاد بحثاً عن الاستقرار خصوصاً أن غالبية الأحياء ذات الغالبية الأرمنية كانت خط تماس مباشر مع الإرهابيين وتم استهداف أغلب الأحياء وبالتالي خسارة الغالبية لمحلاتهم التجارية فقرروا العودة إلى موطنهم الأصلي أو السفر إلى دول جوار سورية وخصوصاً لبنان، وقد نشط الأرمن في مختلف نواحي الحياة فجلبوا معهم إلى حلب الكثير من المهن والحرف اليدوية وبعض الصناعات التي تطورت فيما بعد ولعبت دوراً هاماً في تطوير الصناعات الوطنية.

وكان لأرمن حلب أيضاً مساهمات لا تحصى، وأكد عضو مجلس الشعب السوري النائب جيراير رئيسيان لـ “شام تايمز” أنه في الجانب الاقتصادي جاء الأرمن مهجرين دون أي شيء وباستقبال الشعب السوري لهم قاسمهم لقمة العيش وتشجع الأرمن للبدء بخط حياة جديدة ببناء بيوت من الصفيح والخشب في بداية المطاف، ثم استخدموا القرميد إلى أن عادوا للحياة الطبيعية.

وفيما يتعلق بالمجال المهني أضاف النائب “رئيسيان” كان من بين الأرمن أشخاص ماهرون في النشاطات المهنية وخاصة في ميكانيك السيارات، وأبدع الأرمن وتفردوا بها وطوروا المحركات وعدلوها لتلائم البيئة السورية، وأدخلوا إليها تقنيات جديدة ساهمت في رفع كفاءتها فلقيت إقبالاً، ثم نقلوها للحرفيين السوريين ووضعوا جميع خبراتهم المهنية في سبيل نهضة البلاد، إضافة إلى عملهم في العديد من الحرف اليدوية والنحاس وطرق سكبه وصياغة الذهب وصناعة بعض الآلات وخراطة المعادن وحياكة النسيج وصناعة السجاد والأحذية، رغم أن أهالي ريف حلب يعملون في تلك الصناعة لكن الأرمن عملوا على تطويرها لتضاهي البضائع العالمية.

وفي مجال البناء والفنادق، تعود ملكية أحد أقدم وأعظم معالم حلب كفندق بارون أول لعائلة مظلوميان الأرمنية وما يزال موجوداً حتى يومنا هذا، وفي حلب تم بناء أول مستشفى يدعى “الطونيان” وفيه معهد لإعداد الممرضين، حيث اخترع مالك المستشفى أول جهاز أشعة ووضعه في المستشفى وأقام دعوة لجميع الهيئات الدبلوماسيين (القنصل) لمشاهدة ذلك الجهاز.

وأمام الوضع القاسي في بداية فترة الإبادة ومأساتها الكبيرة، برع أرمن حلب في عمليات التصوير الضوئي الذي أتقنوه قبل غيرهم، وذلك لإجادتهم اللغات الأجنبية، فاستفادوا ممن نقل هذا الفن وتعلموه من الأجانب، فكان في حلب المصورين الأرمن الأوائل مثل المصورين ديرونيان ومصريان والمصور الشهير كلبنك الذي افتتح محلات متخصصة بالتصوير الضوئي في كل من حلب ثم دمشق ودير الزور وبيروت وعرف باسم مصور “الملوك والرؤساء” آنذاك.

أما في الوقت الراهن ورغم الأحداث التي شهدها حلب ووفقاً لإحصاءات المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وصل نحو 22,000 أرمني إلى وطنهم الأم بين عامَي 2012 و2018، ولايزال حوالى أقل من 15 ألف منهم يعيشون في سورية متوزعين على محافظاتها.

ومن يسكن في حلب يعرف الهوكيدون الواقع في منتصف شارع سوق التلل المشهور، إذ وجد الأرمن في مدينة حلب مستقراً مناسباً لكونها قريبة من بلدهم الأصلي، فعندما يهربون تصبح أول نقطة استقرار أملاً بالعودة، كما أن مدينة حلب تقع على طريق الحج نحو القدس، حيث أقام الأرمن في ذلك الوقت دورا تسمى “هوكيدون” أي (بيت الروحيين)، ففي القرن الحادي عشر عمد رجال الدين الأرمن لبناء فندق يعد كاستراحة لهم أثناء الحج إلى بيت المقدس وفيما بعد أصبح الهوكيدون متاحة لأبناء الطائفة الأرمنية ثم للتجار كون حلب كانت أيضاً واقعة على خط الحرير وفقاً لما أكده رئيسيان.

ولا يخفى على أحد أن الأرمن شكّلوا في “عاصمة الشمال” حلب قوة صناعية وتجارية وعلمية مهمة، وساهموا في نهضتها الاقتصادية، فكان منهم التجار والصناعيون المهرة متآلفين مع السوريين محققين التوازن في العلاقات، ومتعايشين مع المجتمع، فبعضهم بدأت أسماؤهم الأرمنية تتلاشى وصارت عربية، ومنهم تحولت ألقابهم إلى المهنة التي يعملون بها.

شاهد أيضاً

“السورية للاستكشاف” تنظم جولة تعريفية في القنيطرة

شام تايمز – متابعة نظمت الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق بالتعاون مع وزارات السياحة والإدارة المحلية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *