سوق الصوف الحلبيّ شاهد على ذكريات فريدة

شام تايمز- حلب- انطوان بصمه جي

لا يُخفى على أحد أن مدينة حلب تجارية بامتياز، انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير وهي أيضاً موطن الصناعات المحلية كالقطن والصوف إضافة إلى صابون الغار الذي تشتهر به المدينة، فإن الأسواق منحت للتجار وبضائعهم خانات متواجدة حولها وأخذت تلك الخانات أسماءها انطلاقاً من حرفة السوق الواقع فيها.

أسماء فريدة أطلقت على تلك الأسواق والخانات منها سوق العطارين لبيع التوابل والأعشاب، وخان الجمرك الذي يعد مركز التسوق الأكبر للألبسة والأقمشة، وخان الصابون والحدادين وسوق الصياغ والسويقة وبوابة القصب التي تعد مركزاً للصناعات الخشبية وكراسي الخيزران التقليدية الشهيرة، لكن يبقى سوق الصوف في حي الجديدة المتخصص ببيع المنتجات الصوفية يشكل الذاكرة التراثية لأهالي المدينة إذ تخصصت جميع المحلات التجارية ببيع القطن والجزات الصوفية حيث يتوزع ما يزيد عن 50 محلاً تجارياً من كلا الجهتين في ذلك الشارع الضيق.

عندما حطت الحرب رحالها في مدينة حلب عام 2012، اضطر معظم أصحاب المحال التجارية في الأسواق التاريخية للفرار تاركين خلفهم محلاتهم وما تحملها من ذكريات، وكان جان بول نجار أحد أصحاب محلات الصوف مصمماً على العيش في مدينة حلب، حيث تركزت الأسواق والخانات التاريخية في المدينة القديمة كثيرة.

التقت “شام تايمز” جان بول نجار الرجل الخمسيني الجالس أمام محله الوحيد مقارنة بالمحلات المغلقة في السوق ذاته، موضحاً أن محله التجاري الصغير ورثه عن أبيه باسيل – أوائل التجار الذين استوردوا الخيوط الصوفية إلى سورية- في سوق الصوف شارع الياسمين في حي الجديدة وهو جزء من كنيسة مار آسيا الحكيم للسريان الكاثوليك.

وتحدث “نجار” عن مأساته التي عاشها عندما خرج تجار سوق الصوف عام 2012 بسبب دخول المسلحين إلى الحي، واستطاع خلال تلك الفترة نقل ما يقارب 30% من منتجاته الصوفية، معرباً عن سعادته بالعودة منذ أسبوعين لافتتاح محله رغم السرقات الكبيرة التي تعرض لها من سرقة الرفوف الخشبية وكامل البضاعة الصوفية والموبيليا، بالإضافة إلى تعرض المحل للدمار جزئي في السقف بعض تساقط الشظايا والتي انتجت الثقوب في السقف وابتعاد الحجر من نوعية “الغمز” الأمر الذي يؤدي إلى تساقط المياه داخل محله التجاري.

وأضاف “نجار” أن ميزات أسواق المدينة القديمة في حلب باعتبارها مدينة ذات طراز معماري قديم تميزه الأسواق المسقوفة والخانات والحمامات إضافة للمساجد والكنائس القديمة، فإن أسواق حلب القديمة بمثابة كنز أثري بحاجة للعناية.

وفيما يتعلق بعمله خلال فترة الحرب وخسارته لمحله التجاري بين عامي 2012 – 2020 قال الرجل الخمسيني أنه عمل بشهادته العليا كأستاذ محاضر في كلية العلوم كي لا يبقى بدون عمل، حتى حان الوقت للعودة إلى السوق وعمل على إعادة تنظيف محله التجاري انطلاقاً من كون الإنسان يشعر بالحنين لأحياء حلب القديمة، حيث تشكلت ذكرياته الأولى وتعلم “سر المصلحة” فيه، لكن اللافت أنه أصر على افتتاح محله التجاري بالرغم من عدم وجود عمليات البيع وغياب الزوار والسياح، قائلاً: “ما يهمني أن أعيد ذكريات سوق الصوف القديمة قبل الحرب”.

وعن أهم الذكريات العالقة في ذاكرته عاد “نجار” متنهداً ليشرح بعض المواقف التي حدثت قبل بداية الحرب: “كان لدي أصدقاء يرفضون زيارتي في محلي التجاري بسبب الازدحام الشديد وضيق الشارع الذي لا يتسع لسياراتهم، فكثير منهم تعرض ل “دفشة” من نسوة يشاهدهن جزات الصوف بأنواعها المختلفة في السوق”.

وحول حركة عمليات البيع والشراء في الماضي الذي وصفه بـ “الذهبي”، أوضح “نجار” أن العمل المتعلق بالصوف موسمي إذ يبدأ مع قدوم فصل الشتاء فجميع الأسر الحلبية تقتني جزات الصوف المزركشة بالألوان، مضيفاً أن الحياة في تلك الأوقات كانت مرفهة أكثر بالرغم من وجود المنافسة الشريفة مع جيراني التجار لكن تبقى المشاعر الإنسانية والروابط الاجتماعية أقوى من أي حرب، وعاد بتأهيل محله من ميزانيته الخاصة بسبب غياب الدعم متمنياً وجود دعم من قبل المنظمات المعنية لإعادة الحياة إلى تلك الأسواق التاريخية.

سيدة مرموقة تجلس بجوار الرجل “رانيا سلمان” تستذكر بعض الذكريات الجميلة قبل الحرب كونها كانت تشارك زوجها العمل في السوق التاريخي، أعربت عن سعادتها بعودتها لمشاركة زوجها مضيفة “بيعنيلي حب زوجي لعمله الذي يعد مصدر رزقنا الوحيد” مستذكرة بعض الذكريات المؤلمة حين إغلاق الأسواق القديمة حيث بقيت أرواح معظم أصحاب المحلات وأسرهم معلقة بهذا السوق وما تحمله من ذكريات فريدة سرعان ما تحولت إلى كابوس مؤلم عند انقطاع الصلة بالسوق لسنوات عدة بالإضافة إلى الخسارة المادية الكبيرة لأننا خسرنا كل الأموال وبدأنا برحلة البحث عن عمل آخر لسد الرمق.

شاهد أيضاً

“واشنطن” تعدل بعض العقوبات المفروضة على سورية

شام تايمز – متابعة أفادت وسائل إعلامية أجنبية أن وزارة الخزانة الأمريكية قررت، الأربعاء، تعديل …

اترك تعليقاً